الجاحظ
27
البيان والتبيين ( ط مكتبة الهلال )
وقال المتلمس في ذلك : لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا * وما علّم الإنسان إلا ليعلما وقال الفرزدق بن غالب : فإن كنت أستأني حلوم مجاشع * فإن العصا كانت لذي الحلم تقرع ومن ذلك حديث سعد بن مالك بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة ، واعتزام لملك على قتل أخيه إن هو لم يصب ضميره ، فقال له سعد : أبيت اللعن تدعني حتى أقرع بهذه العصا أختها ؟ فقال له الملك : وما علمه بما تقول العصا ؟ فقرع بها مرة وأشار بها مرة ، ثم رفعها ثم وضعها ، ففهم المعنى فأخبره ونجا من القتل . وذكر العصا يجري عندهم في معان كثيرة . تقول العرب : « العصا من العصية ، والأفعى بنت حية » ، تريد أن الأمر الكبير يحدث عن الأمر الصغير . ويقال : « طارت عصا فلان شققا » . وقال الأسدي : عصيّ الشمل من أسد أراها * قد انصدعت كما انصدع الزجاج ويقال : « فلان شق عصا المسلمين » ، ولا يقال شق ثوبا ولا غير ذلك مما يقع عليه اسم الشق . وقال العتّابي في مديح بعض الخلفاء : إمام له كف يضمّ بنانها * عصا الدين ممنوعا من البري عودها وعين محيط بالبرية طرفها * سواء عليه قربها وبعيدها وقال مضرّس الأسدي : فألقت عصا التسيار عنها وخيمت * بأرجاء عذب الماء بيض محافره وقال أيضا : فألقت عصاها واستقرت بها النوى * كما قرّ عينا بالأياب المسافر